دراسات في الأدب والنقد
مدونة ثقافية ادبية شاملة
قراءة أولية لمسرحية"الحطام" لحمادي ألمدربي

 

نحن أمام نص غني بالمضامين التي تستوقف القارئ ،لملامستها لواقع الأمة ومثقفيها،واذكر إني شاهدت هذا النص مجسدا على خشبة المسرح أثناء عرضه على هامش الملتقى السادس للإعلاميين بمدينة سبها في شهر الربيع

2005مسيحي.

المسرحية تناقش أزمة الفكر العربي و المثقف العربي من خلال قضية فلسطين، فالمثقفين العرب ينقسمون بين اليمين واليسار هذا ماركسي وهذا ليبرالي، ولكن جميعهم مأزومون تقول المرأة

"بعد ماذا أدركت أيها المعلم؟.أدركت بعد أن زرعت أفكارك التي تدعو إلى مجتمع الكفاية والعدل ولو في بحر من الدم المجتمع الذي ليس فيه فقر مدقع أو غنى فاحش اعتنقنا هذه الأفكار عنك وأنت اعتنقتها من صاحبها في بلاد الثلج.

التاجر

: وها أنا قد كفرت بها بعد أن وجدتها عقيمة.

ويمضي الحوار على هذا المنوال في مناقشة حول الطريق الأجدى الذي يسير عليه الشعب لتحقيق الحلم بإعادة الأرض وتحرير الإنسان من الاستغلال والعسف ،وكأن النص يدين هنا من خلال هذه الجزئية من الحوار أخذ أفكار الغير التي لا تتناسب دائما مع واقع مجتمعنا ليؤكد إن الحلول يجب أن تنبع من واقعنا المعاش ولا تأتي بقوالب جاهزة من غيرنا

.

وقد جمع النص بين الرمزية والمباشرة، ففي البداية نرى الكاتب يستخدم الرمز مثلا

"بلاد الشمس" "بلاد الثلج"، ثم يتحدث مباشرة عن حيفا ويافا وغيرها، وفي الجانب هذا التمس العذر للكاتب لأن المسرح موجه إلى اكبر عدد من الجمهور على مختلف مستويات ثقافتهم.

هذه المسرحية كما أسلفنا تعالج قضية العرب المركزية وهي قضية فلسطين فالمرأة التي أٍسماها المؤلف

"هي"ترمز إلى فلسطين والأرض، ولا أدري لماذا لم يعطيها اسما يكون أكثر رمزية ؟ .

تناقش قضايا الشعب الفلسطيني في الوطن والشتات عبر العالم، وكيف أصبح أبناء هذا الشعب من المثقفين بالذات في حالة من الضياع الفكري الذي جعلهم يتشرذمون فمنهم من انضم إلى اليسار ومنهم من انضم إلى اليمين

.

في الوقت الذي لم يرجع لهم ذلك حقهم في وطنهم السليب،نجد المؤلف يسمي احد المثقفين التاجر الذي رأيناه في حواره مع المرأة وقد كفر بما كان يعتنق من أفكار وهذا ما يسميه الدكتور أركون سيسيولوجيا الإخفاق عند المثقفين العرب ،وكأننا بالنص يقول لنا إن الفكر والثقافة أصبحت نوع من التجارة وليست مبادئ ومواقف يجب أن تجسد من خلال الأفعال والأقوال، فهو هنا تاجر يبيع البضاعة الرائجة فعند رواج الماركسية والفكر اليساري عموما اعتنقه،وعند انحساره اعتنق أفكار أخرى رائجة في السوق فهو تاجر يبع شتري كل شئ حسب قوله

.

ويتناول الكاتب موقف القوى الدولية من العرب يقول على لسان بطله

"أصدقاؤنا في بلاد الثلج وعدوا بأن يمدوا يد العون وأنا أثق بهم ".

وهذا فعلاما أوقع العرب في جل المشكلات التي يعانون منها حيث وثقوا بالوعود التي أعطتها الدول الغربية لهم فعندما وثقنا بهم في بدايات القرن العشرين كانت سايكس بيكو وكان وعد بلفور وكان تقسيم فلسطين وكان وكان

....

وينتقد الكاتب أساليب العمل العربي التي لم تنتقل من مرحلة الشعارات إلى الفعل يقول بطله

"من الأسس الحقيقية التي نصب أعيننا هي أن نخرج من إطار الشعارات وندخل مرحلة العمل، الفعل هو الذي يجعل الغير يقف على حقيقة قضيتنا ومعاناة أهلنا".

إذن يقف النص على حقيقة العمل العربي ويرى إن ذلك نتج عنه تشتت العمل المقاوم حيث كل مجموعة تعمل بمفردها ،فتقوم بأعمال لا تغني ولاتسمن من جوع بل أنها تضر أكثر من تفيد

.

نقرا من النص

"هي: ولكني كنت معترضة على أسلوب العمل.

التاجر

: انه الأسلوب الذي يجعل حتى الكبار يعرفون قضيتنا .

هي

: ولكن ماذا عرفوا عنا ؟ إننا قتلة هذا ما عرفوه. انفجار هنا وأخر هناك وبعد الانفجار.

إن الكاتب يناقش قضايا هامة تهم المواطن العربي والمثفين على وجه الخصوص ،وهو على رغم تشاؤمه في البداية نراه في نهاية النص يلمح إلى أن هناك أمل في عودة الأرض السليبة واستعادة الحقوق المغتصبة فما ضاع حق ورآه مطالب فمن خلال الحطام تنبعث الإرادة في الحياة فالشعوب لا تقهر مهما مر بها من نكبات فالنصر دائما حليفها طال الزمن أم قصر

.

لقد نجح الكاتب في بناء نصه دراميا ،وحمل النص مضامين وأفكارا عميقة

,وان لم تسعفه اللغة في بعض الأحيان ،فمن خلال قراءة النص وجدت بعض الجمل مبتورة وكذلك استخدم بعض العبارات كان غير موفق مثل "وقد وضعت على رأسها محرمة "فكلمة محرمة تبدو نشازا في الجملة والأصح منديلا.

هذه على سبيل المثال بعض الملاحظات وهذه الملاحظات لا تقلل من أهمية العمل والجهد المقدر لصاحبه فنحن في حاجة إلى أعمال من هذا النوع الذي يثير القضايا المتصلة بقضايا الوطن والمواطن

(0) تعليقات


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية